الاثنين، 24 فبراير، 2014

المخرج عايز كده!

"أنت و مالك ملك أبيك"
و دي أخر جملة بأسمعها قبل ما يجمّع بابا الفلوس مني و من إخواتي , لتذهب إلى سكة الـ"مافيش رجوع" أو اللي يبسميها بابا " هأحوّشها لك عشان يكتروا و ماتصرفهمش" , بعد محايلات طويلة منّي و التعهد بإني هأتصرف في فلوسي كويس و إني مش هأبذّرها تاني, رغم إني لم أفعل ذلك أولاني لكن المهم إن أي تصرف كان بيعمله والدي كان مصحوب بمشاعر ذنب من ناحيتي كأن هذا الكيان الأسطوري اللي كنت بأشوفه في والدي - ولازلت- لا يتحرك سوى لتقويم إعوجاجي و محاسبتي على كوني عربيدا يستحق السلخ بالكرباج.
بسرعة كنت بأجري على والدتي لأدخل في مفاوضات تفوق مفاوضات مسرح موسكو طرّا عشان تقنعه بإنه يترك لي ولو نصف المبلغ المسحوب عشان أخرج للمكان اللي بأحبه و أنا طفل, و اللي كان مش موجود لإني ببساطة مش عارف إزاي هأروح هناك بدون مساعدة لكن مَلَكة تكوين الأعذار لدي كانت لازالت في طَورها الأول و تتضمن الكثير من السذاجة و الطيبة و 80% من الحقيقة.

المهم تحاول أمي نص محاولة تبوء بالفشل و أرجع متحسرا لرصيدي الصفري, و أسألها "ليه يا ماما بابا عامل كده؟, أنا كنت عايز الفلوس و هو قال لي ان فلوسي بتاعته, مين اللي قال كده؟"
فتجيب و آيات الحكمة السرمدية ترتسم على وجهها و كإنها هتجاوب أشد الأسئلة إزعاجا لأنفس المفكرين:
"ربنا عايز كده"..

مع إحترامي لكل ماتؤمن به عزيزي القاريء لكن لك أن تتفهم إن إجابة زي دي لم تكن شافية لطفل صغير, لكن إهتمامات الأباء لا تتضمن إشباع فضولك المعرفي كطفل بل إخراسك في أقصر فترة ممكنة , و الحقيقة هم بيحطموا الأرقام القياسية في الموهبة دي, لدرجة إني لفترة إعتقدت إنه لا يستحق أن يكون أب اللي ماعندهوش موهبة "إخراس الأطفال" دي .

المهم إني كنت صغير جدا ساعتها على إكتشاف التشابه الغريب بين اللي ربنا عايزه و اللي بابا عايزه, لكن دي ماكانتش أكبر مشاكلي في وقتها.
بعدها بكام سنة إتوفى جدّي اللي كنت بحبه جدا, و كان الشرخ جوايا كبير لأول مرة هأرجع من السفر لمصر هيكون جدي مش موجود هناك , واحد من الأسباب اللي كنت بأجي مصر عشانها و بأتصبّر على السعودية بيها هو جدي, فقدت مصر جزء من بريقها بالنسبة لي لكن فضلت باقي الأجزاء, سألت بابا ليه ده حصل , ليه ممكن حاجة بهذا السوء تحصل, لو هيموت ليه خلانا نحبه؟ أنانية؟ , ولا عبث؟...و كان رد والدي و الدموع في عينيه :
"ربنا عايز كده"..

لما سافرت مصر السنة دي , إكتشفت إن خالي إستنى لما جدتي أخدت الميراث بتاعها و حطته في دفتر توفير و حتى الان الدفتر ده تحت تصرفه و مارجعلهاش, و إكتشفت لتاني مرة تشابه آخر بين اللي ربنا عايزه و اللي خالي عايزه.

علاقتي بالمتزمتين دينيا كانت مضطربة طول حياتي, و من المعتاد عني مبكرا إن أسئلتي كانت متمردة و نمطية الإمام و التابعين دي مش بتاكل معايا فكان طبيعي جدا يحصل الصدام المحتوم بيني و بين التيار الإسلامي , خصوصا لما كبرت و إندلعت الثورة و بدأت أعبر عن كرهي لهم بحرية اكبر من المعتاد وقتها , و حتى الوسطيين و اللي هم مجرد وقود للمتطرفين و حالة أضلع سوءا منهم بقوا يستنكروا عليا كلامي .. بما إني كنت إشتهرت نسبيا و الناس بتسألني أسئلة كتيرة بتبتدي بـ (ليه) , و كان ردي متهكما, "ربنا عايز كده" تعليقا مني على كل ماهو صدفي عبثي غير مبرر بأي شكل من إدارة رحيمة أو فكر إستراتيجي متواضع, و أخيرا إنتفضت الجموع و لكن ضدي و لم يثوروا على أي سلبية أثرتها في مجتمعنا , كان كل غضبهم بسبب العبارة المستخدمة في التعبير..

و هنا قررت إني أستجيب لمطالبهم و أقلل من حدة الإستفزاز الفكري لهم و أسلك طريق أكثر نعومة, و إفتكرت زمان لما كنت بأتفرج على فلم أجنبي و أستغرب مشهد عجيب زي حضور الشرطة دائما متأخرة في آخر الفلم فكان والدي - كأي والد مصري أصيل - يسكتني بعبارة "المخرج عايز كده", و قررت أن أستخدم نفس التعبير بتاع والدي للتلميح لنفس الإستنكار و هنا هدأت الجموع.

وافقوا على نفس الإستنكار, و نفس الشخص و نفس الأفكار, لكن تغير اللفظ فهِديوا, إن ميول الناس للتغير بتلمس فقط الملامح اللي بتبين قبحهم بشكل صريح, و التغيير فقط بيشمل إعادة تغطية القبح بأي مسكّن, يصبرهم أو يوهمهم إن المراية اللي بصوا لها أخيرا مكسورة أو مغشوشة.

فلو في حاجة ماعجبتكش عزيزي القاريء في المقال ده و عندك أي تساؤل عن سبب كتابتي لِيه, و ليْه في الوقت ده بالذات تذكر دائما..
إن "المخرج عايز كده".

الجمعة، 21 فبراير، 2014

جنة العدميين, جحيم الملل

بقالي مدة ماكتبتش حاجة في المدونة, و الحقيقة ولاخاطبت المتابعين  مباشرة من مدة, إلا عن طريق المقالات و التدوينات, من المريح إن الواحد من الوقت للتاني مايكتبش حاجة مهمة قوي , مش كل حاجة بأكتبها لازم تمشي على المعيار القانوني للمتابع اللي بيتفضل عليّا بلايك في النهاية و لو ما رضيتش رغباته أبقى مقصر و تافه و بأقول اي كلام.

على العموم القيمة محسوبة بالندرة, و كثرة الكلام تقلل قيمته - و ده المقصود من البوست ده - و من الغريب إننا بنقيّم الحاجة حسب ندرتها و إستهلاكها , اللي هي نفس المعطيات اللي ممكن تخلينا نكره حاجة تانية, بس ندرة الأشياء غالبا و إحتمالية فناءها هو اللي بيديها قيمة, وجود الحالة السلبية منها هو قيمتها لو إتلغت هتفقد قيمتها . و ساعتها هيبقى عندنا جمع غفير من الوجوديين مش لاقيين حاجة يعملوها في حياتهم سوى الإكتئاب و ممارسة البَنجي جامبينج, و مجموعة أكتر من العدميين عايشين أفضل أيامهم و كإنهم في الجنة.

المهم إن تقضية الأيام في روتين قراءة و كتابة لإنجاز مشاغلك لا يبدو سيئا , إلا لما تكتشف إن بقالك شهر عليه و إنك ما إستمتعتش بوقتك من فترة, هنا كل الكوارث اللي في الدنيا تقرر إنه مش من حقك و إن هناك حاجات أهم لازم تعملها و لا تستطيع التنصل منها, فجأة يقرر إبن خالة عمة والدتك إنه هيتجوز ولازم تحضر و إنه عيب إنك ماتحضرش الفرح الجميل بتاعه و خصوصا إنه مميز جدا عن باقي أفراح مصر, كل الأفراح فرقة الملايات بيدوروا عكس عقارب الساعة, ده الوحيد اللي بيدوروا مع عقارب الساعة, الإختلاف ده مهم جدا زي ما إنتوا ملاحظين!.

على العموم لازالت الثوابت هي هي , الناس لازالوا قذرين يستحقون الحرق بجاز رخيص , و السلطة لازالت معتوهة و الثوار لازالوا بصمجية في عالم السياسة و اليمين لازال مطبّلاتي بدون أجر, و الإخوان لازالوا أخس خلق الله, ليس هنالك جديد إن كنت تتساءل.

عليكم اللعنة جميعا!

الأربعاء، 12 فبراير، 2014

البكاء في حضرة الواقع

هؤلاء جمعوا المصدّقِين , و قذفوا بهم في أتون الحرب المقدسة, و جلسوا في أبراجهم يربتون على مساند العاج, و يرقبون العاشقين يقطعون جلود رقابهم بالموسى لأجل الرضا,لأجل لمحة من مجد..
هؤلاء لم يكن المجد ينالهم لولا بوق شيوخ مضاجعة الرفات, هؤلاء المستميتون على تصدّر أسمائهم لعناوين الأخبار,لا يعرفون عن النضال لأجل شعب إلتصق بالقاع حتى إستغرب مرور الهواء بين ظهره و التراب سوى الصراخ, و الصراخ ليكون صوتهم أعلى, و الصراخ بكل ماهو فارغ من ماض سحيق ترتعد فرائصه إذا هبت ريح العام الجديد, هؤلاء تنفطر قلوبهم إذا لم يجدوا لصوتهم صدى في الأرض فيملؤون الدنيا عويلا و تحطيما, و يشرفون على إحماء وطيس معركة الموتى, حيث يتحارب جنود الهالكين, من أجل الحطام المستكين.

إن من لا يثور عقله فلا لثورة جسده جدوى سوى تحطيم الرؤوس لأجل الفراغ, هنا بكا كل من ينعق لأنه لا يجد من يردد ما يقول,الأروقة تسكنها أشباح الماضي لتعاود الظهور على ساحة الإعلام, و متصنعي الملائكية ماهم إلا زيادة في تعداد الثيران في متحف الخزف الصيني, كلما فتحوا أشداقهم زاد حنق الشعب منهم, و زادهم عبيدهم طرا في شر حماقاتهم, و إنطلقوا يعثون في الأرض يظنون أنهم أصوات المهمشين, وهم عن المهمشين يفصلهم من البحور بحور,أنت لست صوتا سوى صوتك, الذي كلما تردد قل من حولك و زاد من حول الماضي,فقط ليتخلصوا من صداك المزعج.

يا هؤلاء, إن كنتم تظنون أن الصراخ يقيم أمة لكانت أعظم الأمم حضانات الأطفال, لكن الحضانات بصارخيها تحتاج إلى حزم و حسم أبوي, يراه الشعب في رب يرتدي النسور على كتفه, و كلما زدتم في الصراخ زاد تأكدهم, و زاد زهو الأب في نفسه و دهس المغيبين, هؤلاء الذين تضحون بهم لأجل صراخكم, هؤلاء الثكالى اللواتي سرقتم منهن فلذاتهن ليهدر صوت الأفران و تنتشي قلوبكم و تطرب أسماعكم لها,و أنتم ترفلون في العظام...

إن الواقع مر, و التجربة تثبت أنكم حبة خردل في كف إله يتسلى بتقليبكم بين الأصابع, يتابع محاولاتكم البائسة للخروج, و أنتم لا تخرجون من الفرجة الصائبة, فإما أن تصنعوا الثقوب في الكف , فيحمطكم , و إما أن تجدوا طريقكم للفرجة بين السبابة و الإبهام.

الاثنين، 3 فبراير، 2014

الشارد المرتاح في نقد الافراح

- لحد الآن مش فاهم إيه فايدة الافراح, قل لي لازمتها, فلوس و وقت ضائع على الفاضي على اكل سيء و موسيقى عالية و ناس بتيجي و تمل بعد 15 دقيقة, و بعدين العروسة عارفة انها هتتجوز و اهلها كذلك و على هذا العريس و أهله بالضرورة, و الدولة لديها مستندات تفيد هذا الموضوع, ايه اللازمة من ازعاج العالم بإنك عملت الحاجة اللي ملايين غيرك بيعملوها؟.

- أغاني الافراح مقززة , واللي بيغنيها لازم يتحاكم بالصلب مقلوبا, واللي يشغلها أو يسمعها لازم يتحاكم محاكمة عسكرية, مفتقرة لأي نوع من الحس الفني عبارة عن أي جملة تستغرق نفس الفترة الزمنية لسابقتها و تنتهي بنفس الحرفين."الحلبسة في ايد الميتين , وهنشرب مياة وقمر الدين".

- الأفراح بيئة خصبة للكائنات اللزجة اللي ماورهاش غير "عقبال عندك يا حبيبتي" و تنقيح و تفصيص كل بنت و شاب و طفلة و السخرية من وحاشة الأكل, شوفي دي بتكلم مين؟, هو ابن مين التخين اللي هناك ده؟ , شبه الفيل بس اهله اغنيا.

- عمري ماروحت فرح مهما كان بسيطا أو مكلفا و كان الاكل فيه حلو, دايما اكل الافراح سيء ده غير اصلا إقتناعي التام ان الافراح تهنئة و فرحة مش لازم ناكل كلما اجتمع 3 اشخاص مع بعض, كإننا بنتلكك عشان نلاقي سبب ناكل عشانه.

- الناس مش بتستمتع بالفرح نفسه, ماحدش فاضي تطلب منه حاجة او تتعرف عليه - عشان لو كنت بتروح للافراح ترسم و دي حجتك- كله دلوقتي ماسك تلفون او كامرا و بيصور الفرح, تفتكر لو ماإتفرجتش ع الحدث و هو بيحصل قدامك و إنت فيه هتتفرج عليه بعدين ؟.

- و بمناسبة التصوير فإن مصوري الافراح كلهم خريجي مدرسة واحدة على مايبدو , دايما بيسيبوا الحاجات المهمة اللي بتحصل و يركز لقطاته على العريس وهو بيشرب العروسة أو بيكلمها أو بيهرش لها في ودنها أو منخيرها, و لو ناس رقصت و بيكون رقصها حلو جدا, أقسم إني أحيانا بأشوف عروض مستحيل تشوفها في سيرك دو سولي تلاقيه سايب ده كله وعمّال يصور المعازيم اللي يا إما بيبقوا محرجين و يضحكوا في بلاهة أو عليهم أعتى علامات البؤس و الملل .

- البنات الأفراح بالنسبة لهم تقريبا هي مسابقة لمن فيهم هتتقمص شخصية البلياتشو أكتر من الباقيين.