الثلاثاء، 29 يوليو، 2014

الإنسان : القضية الخاسرة 2

من أسباب كون الإنسان قضية خاسرة, عدم ثقته النظام أو الوعي الأخلاقي لباقي مجموعته, فضلا عن وعيه الأخلاقي الخاص, رغم إنه لحل هذة المشكلة (من وجهة نظره) إخترع الحياة الأخرى و ثوابها و عقابها , و لما لقى إن تأجيل العقوبات و الثواب على الأفعال الخيّرة و مكافئتها غير مُجدي و مجزي إخترع القانون و السلطة, لكنه لازال مش واثق فيها بالشكل الكافي اللي يؤهله للإنصياع التام مفاهيم الخير و الشر, و هنا بنسأل إيه السبب؟.

السبب في إننا مش عارفين نتقبل حقيقة بسيطة إن حقوقنا و حدوثها و ضياعها موجود في الحياة فقط , و إن لا وجود لما بعد الموت عشان نتطمن له و نعتمد عليه بتواكل و ضعف شديد و خنوع مطبق هو في كلمة بسيطة, الضمير...الضمير الفاعل الغير مشوّه و الغير موجّه أو مسيّس أو المعاد تشكيله بشكل ديني أو عرقي , ضمير حيادي فاعل مؤمن بنفس الأخلاق و نفس مفاهيم الخير و الشر بنفس المستوى للجميع , لو وجد الضمير ده بشكل و بنسبة كبيرة بما يكفي مش هنحتاج بس حياة أخرى بعد الموت!, بل مش هنحتاج قوانين أو حتى سلطة تدير العلاقات المجتمعية , هتكون جنة اللاسلطوية فعلا بشكل موقّع و حقيقي , لكن حتى الضمير محتاج مكافئة , و مكافئة الضمير في الخير شعورية و في الشر تأنيبية, مجرد الغصة أو الإرتياح اللي بتحس بيه بعد تصرف سيء أو طيّب بيمثل المكافأة اللي طورها جنسنا لتقيّم الفعل في حالة نمو وعي سليم و ضمير مستقيم,أما الأديان و النزعات العرقية فهي بتستفز المشاعر و الأحاسيس دي وتوجهها للعمل في وقت معيّن و إهمالها في الباقي, و ده بيخلق الضمير المشوّه, ضمير بنحاول نقنع نفسنا إنه خير لإنه بيتبع المطلق اللي بيتبعه الغالبية و اللي بيغمرنا بإحساس عدم الخروج على الجماعة , (و ده إحساس مكافئة عالي بطبع الإنسان الكائن الإجتماعي).

مافيش أي نوع من العقاب بيقع من سلطة علوية خارجية غير سلطة النظام الإجتماعي الإنساني الملموس, أما الحوداث و الكوارث صدفية بحتة, الكوارث مش بتصيب الناس لإنهم أشرار أو طيبين , و الحاجات الجيدة في الحياة مش بتيجي للناس الخيّرين لمجرد إنهم أخيار, في الغالب فأغلب اللي بيحصلوا على أشياء جيدة و مناصب في الحياة هم أشرار او مارسوا الشر بشكل ما لمدة كبيرة  , لإنهم الأقدر و الأدوم على الإصرار على الوصول للمنصب, و ده مجرد مكافأة على مجهودهم, مكافأة بدون مكافئ .

الأخلاق الحيادية, الأخلاق في صورتها الأرقى الغير تمييزية, هي المنقذ الوحيد الوازع الأخلاقي من الأخلاق و من أجل الأخلاق, مش عشان أي حاجة تانية, لو ربطت الأخلاق بربح ديني أو قبول جماعي عرقي هتنسلخ عن معناها بالوقت و تتشوّه و الأخلاق بمكافئاتها النفسية اللي طورها الإنسان بنفسه هي الأسلوب الوحيد للنجاة , اللي بيبعد عنه الإنسان شوية بشوية و بيدوّر على الحلول خارجه , و عشان كده كان لزام على الطبيعة إنها تستقصيه من المنظومة كلها , الكائن ده رغم إن عنده كل مايؤهله ليبقى أرقى الكائنات , إلا إنه بيسيّس و يلوي عنق كل الهِبات دي في محاولة يائسة لإبقاء جزء منه على حساب الباقي , و بالشكل ده هيقضي على جزءه المميز و على الباقي معاه.الكائن مُنح الفكر و المنظومة الإجتماعية اللي تخليه يكون مجتمع يطوبي, فإستخدمها لينهي على نفسه.

و بالتالي يرجع تاني لفكرة التفضيل اللي بيخليه النوعية المفضلة تتميز بالحالة الإقتصادية الأفضل اللي بدورها بتوجد بيئة أسهل لتكوين الخلق الراقي فبيستبدله بإستعلاء, و بيكون الإقتصاد ده على حساب تدهور الحالة الإقتصادية لغيره مما يعيق نمو الأخلاق و يرجع بالإنسان لمرحلة الحيوان الصياد التنافسي الفردي, اللي بيقدم مصلحته الفردية على الجماعة , فينهي على الجماعة و الفرد, و الجنس كله, الجنس اللي إعتبرته الطبيعه غلطة, لابد من مسحها !.

الدين لا يصنع ضمير لإنه بيفضل الأشخاص اللي ولدوا بالصدفة على معتقد معين أو تم ضمهم ليه بالغصب, و القانون مش بيخلق الضمير, و العرق المعيّن مش بيخلق الضمير, فقط الأخلاق الغير محيّزة تصنع الضمير السوي اللي ينقص هذا الجنس اللاهي المنتهي.

الثلاثاء، 22 يوليو، 2014

الإنسان : القضية الخاسرة

مختنقون..
زحمة الحياة يا برقياتي خانقاني, مش لاقي وقت أكتب مقالات أو قصص أو حتى لنفسي..
كل ما بصّيْت حواليّا أدرك إن محاولة الرقي بالإنسان كذبة..كذبة جميلة بنحاول نغرق فيها لحد ماتقتلنا, و إن الإنسان لسة ما إتخلصش من بقايا الحيوان الصيّاد اللي جوّاه, لسة بيكره كل حاجة مش شبهه و مش شبه توقعه و بيهدمها, بينسى إنه أسخف دخيل على الحياة و أكثرهم تكبرا و تعنتا.

إيه أهميته ؟ ليه هو مميز؟ غير بفكره و بتطور مشاعره و قدرته على التعبير عنها بأساليب كتير و بتنوع كبير, لكنه لما بيتخلى عن تعاطفه و إحساسه بالجمال و إنبهاره بالطبيعة بيبقى أقل من أي كائن تاني.
مش بأتفق عامة مع تشبيه الإنسان بالحيوان , رغم إننا عادة بنقرن التشبيه ده بنبرة سخرية و إستعلاء على الكائنات دي اللي بنشعر بالتفوق عليها ,رغم إنحداره من نفس المملكة الحيوانية و رغم إنه ما إختلفش كتير عنها , لكن الإنسان تمكن من التطور في مسار مميز خلاه يظن إنه  إنفصل عن كينونة الحياة الأكبر, و رغم إني متفق معاه في إنفصاله لكني أختلف في نوعية أو فحوى و شكل الإنفصال , فالإنسان عامة بكل معتقداته و مذاهبه مؤمن إن إنفصاله كان إصطفاء ليه, سواء عن طريق قوى عليا أو بأفضلية الإنتخاب الطبيعي , نبرته دايما متعالية بالخصوص ده , و غالبا مقتنع إنه تم تشكيله بشكل مميز على صورة القوى العليا دي لينسب لنفسه بعض من سمات الألوهية أو التفوق الجنسي على بقية الأجناس, كل ده لمجرد إنه بيبني آلة أو بيرسم لوحه .

بينما أنا شايف إن الإنسان ملفوظ , صحيح هو متميز في نوعية و تعقيد عقله, و مشاعره  لكنها في نفس الوقت هي الأسلحة اللي هتقضي عليه و تخليه ينهي وجوده بنفسه, عمرك فكرت بكده؟ عمرك فكرت إن الطبيعة قررت إنك منتج فاسد و قررت إنها تنهي عليك و تقصيك بأقسى طريقة ممكنة؟, تسيبك تنهي نفسك بنفسك, بنفس المميزات اللي إديتها لك؟!.
نفس الأحاسيس الجميلة من تفضيل و ميل نوعي لخاصية معينة و حب للجماعة , هي نفسها بوشها التاني سبب إهماله بدون قصد أو بقصد لباقي الخصال , و تركها مهملة للإستهلاك, كل الحاجات اللي بيحبها هتعيش مؤقتا أطول نسبيا من الحاجات التانية فعلا!!, لكنها هتموت و هتستهلك , هتفسد و تتلوث, تنتهي في النهاية , لإنه كل ما حب حاجة إستهلكها و بشكل أكثر جشعا لحد ما يخلصها , فحبه مميت , و كرهه مميت.

ممكن تشوفه ده في أشد لحظات العلاقات الأسرية حميمة, زي علاقة أم ببنتها , حمايتها الزايدة ليها ..تأثيرها و تدخلها الدائم في حياتها, تكوين نسخة مكررة منها , تعرف مين و تحب مين و تكره مين, و تكره ليه و إزاي .. نفس النسخة بنفس نقط الضعف و نفس الحاجات اللي هتحبها و تستهلكها, نفس الرقابة و التعلق و الحب اللي هيخليها نسل عائل و ضعيف محتاج للمرجع العاطفي و الحائط و السند, نفس المصطلحات دي اللي إحنا بنحبها و بنعتبرها من مميزات جنسنا اللي تطور بمرحلة طفولة كبيرة تخليه يتعلم أكتر هي اللي هتخليه ينتهي ببطء شديد و مؤلم و بلا عودة. هتكبر عشان تدعم سياسات و أفكار بتقصي نفس الإختيارات و تفضّل نفس الإختيارات و هينتهي بيها الأمر تحت وطئة تفضيل نوعي لمجوعة تانية تأثيرها أقوى و أسرع.

يتبع..


الخميس، 3 يوليو، 2014

نصف إنعكاس 5 - ولدت لترحل

- مابتحبيش تتكلمي؟

- .....

- طب أنا مضايقك؟

- .......

- تحبي نروح مكتبي؟

بصّت له, و كإنها أوّل مرة تنتبه لوجوده في الأوضة معاها و قامت من على الأرض من ركن الأوضة و إتحركت ناحية الباب,فهم حسام من حركتها إنه عندها رغبة في زيارة مكتبه, و إن كان مش متأكد إنه هيكمل المحادثة دي هناك, المهم فتح باب أوضة الحجز المعزولة و راح لمكتبه و قفل الباب وراهم كويّس ,نظرة سريعة منها ناحية الباب المقفول و شك لوش حسام .

قعّدها على الكرسي اللي قدام المكتب و قعد هو وراه و مسك قلم و شد كشكول كان قدّامه و بص لها و سألها "هاه بقى يا ستي مش ناوية تتكلمي؟" ...و رغم إنه كان متوقع صمتها كالعادة فاجئته بصوتها الهادي الواثق "مش عايزة أتكلم,هتتكلم عشان مين؟ كنت لوحدي و هأفضل لوحدي, كلامي مش هيحبب حد في وحدتي, ولا هيخليه يفوق ..." , قاطعها حسام "عشاني,..إتكلمي عشاني", بصت في عينيه و كمّلت بنفس هدوءها :"إنت نفسك رغم إن الفضول هيقتلك تعرف اللي جوّايا لكنك بتعمل كده عشان خايف,خايف على كل حاجة كانت مريحاك و إتعودت عليها, خايف لتكتشف إن 1+1=3 و تحس إنك مخدوع,في غلطات مش عارفة إنها غلطات, و في غلطات بتخاف تتصلح لأحسن تحس إنها مالهاش معنى...مالهاش....."

فجأة وقعت على الأرض و بدئت في التشنج, و خبطت دماغها جامد في مكتب حسام و وقعت على الارض و بدأ دمها يسيل على الأرض في دايرة حوالين راسها ..

"سيّد!!...سيّد!!" , و هو بيمسكها على الأرض بيحاول يفوقها أو يشيلها لحد ما دمها غرّق إيده, و إفتكر إنه إتخصص في مجاله ده عشان يبعد عن مناظر الدم اللي كان بيكرهها من أيام الكليّة,بعد هرج و مرج وصل الإسعاف و نقلوا المريضة للمستشفى..

و حاول حسام يروح معاها لكن زمايله نصحوه بإنه يروح البيت و هيبلغوه بكل جديد..

***

وصل حسام بدري عن معاده تاني يوم,و دخل المكتب يشرب سيجارته الصباحية المعتادة, عشان يهدي من توتّره ,و خرج قبل ما يكمّلها و راح على أوضة المريضة, آخر مرة إتطمن عليها قبل ما ينام إمبارح الساعة 12 من التعب , و في إيده سمّاعة التلفون.

دخل أوضة المريضة لكنه لقى دكتور تاني زميله مع مريض مختلف, إستغرب حسام جدا و وقف لحظات مش فاهم, سأله الدكتور التاني لما لقاه واقف مش بيتكلم على الباب :"دكتور حسام , أقدر أساعدك في حاجة؟", لكن حسام من غير مايرد خرج من الباب بسرعة يفتش في كل الأوض و يفتح بيبانها فجأة , الأمر اللي أجى لتضايق بعد زملاؤه , وهو بيردد :"هي فين؟" لحد ما خبط في ممرضة من غير ما يقصد, إتخطاها بسرعة و كمّل طريقه, لكنها جريت وراه,"دكتور حسام, إسمعني بس" , في الأول ما سمعهاش, أو يمكن سمعها و ما إهتمش باللي عندها عشان تقوله , كان كل همه يلاقي الحالة حالا و اللي زاد إهتمامه و فضوله بيها الأيام الأخيره, كإنه حس إنه بيتعلم أو إنه ماشافش كل حاجة في الدنيا.

- دكتور حسام,الحالة إتوفت إمبارح.

وقف حسام في مكانه لحظة و دار بوشه ناحيتها و رجع لها و سألها كإنه بيحاول يتأكد من اللي سمعه.

- نعم؟.

- الحالة يافندم, الحالة بتاعة حضرتك إتوفت إمبارح.

- ما ..ماتـ.., إزاي..أنا كنت لسة متطمن عليها إمبارح بالليل.

- ماتت على الفجر يا دكتور,البقية في حياتك.

- ماينفعش!, أنا متأكد إن في حاجة غلط!.

- الأعمار بيد الله يا دكتور,حالتها بقت وحشة قوي على الفجر و ربنا إفتكرها.

و سابته في حيرته و ذهوله و مشيت.

حسام مش مصدق, إن حالة عشوائية حركت فضول و عدم فهم جوّاه في أيام قليلة بقت هي جثة ما بتتحركش, الشخص اللي وهبه شيء بيحرك الحياة , فقد الحياة, بقى في أبعد مكان يمكن يهتم بالحياة فيه.

رحلت من غير إسم, ولا لقب..رحلت من غير ماتسيب في الدنيا متاع, ولا ورث, غير الحيرة و الإنشغال في حسام, و شوية صور و ذكريات هتتنسي في المستشفى.



***