أول يوم تجنيد

*تنويه المحتوى لم يكتب بواسطة محمد البرقي*


نغمه المنبه، انها الثامنة صباحًا، شعرت بالرغبه في العوده للنوم فكنت اعيش في ذلك الحلم الجميل بمغادرة البلاد والعمل يسيطر علي حياتي اليومية، ولكن اليوم "مش عادي"، فإني ذاهب إلي مكتب التجنيد في قسم الهرم.
لقد تأخرت عن مواعيد العمل الرسمية، جمعت اغراضي وفي طريقي لباب الغرفة تذكرت ذلك الحادث الذي وقع قبل يومي هذا بأسبوع، وأخرجت مفاتيح السيارة من جيبي ووضعتها علي المكتب، فكنت معتاد علي قيادتها يوميًا حتي وقع أخي بحادث مروري، وأدركت أن اسوء أيامي علي وشك أن تبدأ.
غادرت بيتي مسرعًا لإركب "العربية البوكس" او "عربية الفيومية" كما يسميها البعض، الجو حار والشمس تغطي كل مكان، أين انا؟ إلي أين ذاهب؟ كالعاده بدأت الأصوات داخلي تسيطر علي الجزء الأكبر من تفكيري، "سنك أصغر من كل اللي داخلين الجيش بسنه"، "معاد تقديمك عدي اساسًا كمان وانت مقدم متأخر في دفعة غير دفعتك"، "هتاخد شهر ونص زياده علي جيشك"، "هو أخرو هنا صح؟"، لا هذا السؤال من العالم الخارجي، فآتي من طفل يجلس أمامي ويبدو عليه القلق، نظرت حولي فلم يوجد احد غيري بالعربة مع ذلك الطفل، واجبت بهزه رأس مشيرًا نعم، ومن ثم اتجهت إلي "موقف الميكروباصات".
"رماية ده يسطي؟" وكانت أول جمله انطقها منذ مغادرتي الفراش، "ايوه يا اخويا" قالها السائق وهو ينظر إلي مؤخرة فتاة تركب عربة بجانبه، شعرت "بعلامة استفهام" كبيره ظهرت فوق رأسي عقب النظر داخل العربة، وفي النهاية اخترت الجلوس بجانب "شبح" عن الجلوس جانب تلك الفتاة ذات البشرة السوداء التي بدا عليها الانزعاج ورمقتني بنظرات غريبة.
صوتًا قريبًا جدًا من أذني "متعرفش الأجره كام يا نجم؟"، نعم إنه ذلك الشاب "الشبح"، وبنظره احتقار قلت "3 جنية"، لحظتها شعرت بأن هناك شيئًا خاطئ، نعم إنه أسوء يومٍ علي الإطلاق "نسيت الهيدفون"، كيف لي أن انسي منقذتي من هذا العالم؟!
إنها الاصوات مجددًا، "ازاي نسيت الهيدفون؟"، "هتقضي يوم زي الخره"، "حرام عليك"، وبعد جدال مرير، انتقلت الاصوات للحديث عن أمراضي، وهل ستكون سببًا كافيًا لعدم ادائي الخدمة العسكرية؟، وعلمت من بعض الأصدقاء مسبقًا أن مرضي الربو لا يؤدون الخدمة العسكرية، في حين البعض الأخر من بينهم أخي ينكر ذلك.
ماذا عن انفي؟ ستة عمليات جراحية كافية لإخراجي من هذا العبث، أسبابي كافية علي ما اعتقد، "كل الناس بتدخل الجيش"، "مفيش مفر يا ابني"، "في ناس عندهم بلاوي اكتر منك ودخلوا".
وأثناء كل تلك الجدالات، اجد منظرًا مألوفًا، إنه قسم الهرم، صوت يهمس لعقلي "احيه ده انا نازل هنا"، ثم صحت قائلًا  "علي جمب يسطي"، يبدو من نظراتهم أن صوتي كان عاليًا قليلًا، فالحقيقة انا لا اكترث "ما انا اللي همشي في الاخر".
الساعة التاسعة والخمس دقائق، ولكني اشعر بالسعاده لعدم وجود ازدحام في الطريق إلي مكتب التجنيد، "صباح الخير" بابتسامه خفيفه صحت بها منبهًا مندوب التجنيد لوجودي، "اؤمر" واقترب الشاب الاسمر فظهرت ملامحه، يبدو عليه الإرهاق وكأنه يعمل منذ اعوام دون توقف، ورغم رده القاسي فاستطعت أن احتفظ بابتسامتي.
+ كنت عايز اعرف هو انا لو..
= تعالي يوم 20/10
+ يامعلم اسمع بس للاخر اصل..
= يوم 20/10 مش برد علي اسئله
+ يا دفعه، اصلي مش مولود في الجيزة
= مش مهم مولود فين، اول بطاقه عملتها تبع حاجه في الجيزة؟
+ ايوه اكتوبر
= خلاص يبقي تيجي يوم 20/10
+ طب انا معاد تقديمي فات، انا اصلًا مواليد شهر يناير بس الشهاده اتأخرت
= 20/10 يا برنس انا رديت علي سؤالك
غادرت المكان، ساخطًا علي ذلك الشاب، أري العديد من علامات الاستفهام حولي، هل سأكون من المتقدمين مع دفعة هذا الشهر؟ أم سيكون علي الانتظار لدفعة شهر يناير؟ أين سيكون مكان خدمتي؟، "ياتري هقضي مركز التدريب فين"، "ولا لسه شهر يناير زي ما صحابك قالولك؟"، "هتدخل الجيش بالربو"، "مش هتعرف تاخد اعفاء"، "ظابط 3 سنين وشهر ونص تأخير"، "هتموت جوه بأزمة ربو من اللي بيجولك مش هيلحقوك"، "كله بيدخل الجيش".
وأخيرًا استطعت أن اسيطر علي الاصوات، انها العاشرة والنصف، سأخلد للنوم مره ثانيه علي أمل أن أكمل ذلك الحلم المبهج.
...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قواعد اللاإكتراثية الأربعون

تعذيب : 3 - كرسي التغطيس

تعذيب : 1- أحذية العقاب